ابن قيم الجوزية
34
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
الشيطان : إيعاد بالشر وتكذيب بالوعد » ثم قرأ : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا [ البقرة : 268 ] وقال تعالى : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا [ الأنفال : 12 ] قيل في تفسيرها : قوّوا قلوبهم ، وبشروهم بالنصر . وقيل : احضروا معهم القتال . والقولان حق . فإنهم حضروا معهم القتال ، وثبتوا قلوبهم . ومن هذا الخطاب : واعظ اللّه عزّ وجلّ في قلوب عباده المؤمنين . كما في « جامع الترمذي » و « مسند أحمد » من حديث النواس بن سمعان عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه تعالى ضرب مثلا : صراطا مستقيما . وعلى كنفتي الصراط سوران ، لهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وداع يدعو على رأس الصراط . وداع يدعو فوق الصراط . فالصراط المستقيم : الإسلام . والسوران : حدود اللّه . والأبواب المفتحة : محارم اللّه . فلا يقع أحد في حدّ من حدود اللّه حتى يكشف الستر . والداعي على رأس الصراط : كتاب اللّه . والداعي فوق الصراط : واعظ اللّه في قلب كل مؤمن » فهذا الواعظ في قلوب المؤمنين هو الإلهام الإلهي بواسطة الملائكة . وأما وقوعه بغير واسطة : فمما لم يتبين بعد . والجزم فيه بنفي أو إثبات موقوف على الدليل . واللّه أعلم . النوع الثاني من الخطاب المسموع : خطاب الهواتف من الجان . وقد يكون المخاطب جنّيا مؤمنا صالحا . وقد يكون شيطانا . وهذا أيضا نوعان . أحدهما : أن يخاطبه خطابا يسمعه بأذنه . والثاني : أن يلقى في قلبه عندما يلمّ به . ومنه وعده وتمنيته حين يعد الإنسي ويمنّيه ، ويأمره وينهاه . كما قال تعالى : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ( 120 ) [ النّساء : 120 ] وقال الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ [ البقرة : 268 ] وللقلب من هذا الخطاب نصيب . وللأذن أيضا منه نصيب . والعصمة منتفية إلا عن الرسل . ومجموع الأمة . فمن أين للمخاطب أن هذا الخطاب رحماني ، أو ملكي ؟ بأي برهان ؟ أو بأي دليل ؟ والشيطان يقذف في النفس وحيه . ويلقي في السمع خطابه . فيقول المغرور المخدوع « قيل لي ، وخوطبت » صدقت ، لكن الشأن في القائل لك والمخاطب . وقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لغيلان بن سلمة - وهو من الصحابة لما طلق نساءه ، وقسم ماله بين بنيه - « إني لأظن الشيطان - فيما يسترق من السمع - سمع بموتك . فقذفه في نفسك » فمن يأمن القراء بعدك يا شهر ؟ . النوع الثالث : خطاب حالي . تكون بدايته من النفس ، وعوده إليها . فيتوهمه من خارج . وإنما هو من نفسه ، منها بدا وإليها يعود . وهذا كثيرا ما يعرض للسالك ، فيغلط فيه . ويعتقد أنه خطاب من اللّه . كلمه به منه إليه . وسبب غلطه : أن اللطيفة المدركة من الإنسان إذا صفت بالرياضة « 1 » ، وانقطعت علقها عن
--> ( 1 ) ليست الرياضة - بالجوع والظمأ ، وأخذ النفس بما يضاد فطرتها وسنة اللّه الحكيم العليم الرحيم فيها - من أسباب تصفية الروح ولا القلب ولا النفس ، وإنما سبب التصفية : هو العلم النافع من تدبر كلام اللّه وكلام رسوله صلى اللّه عليه وسلم . والعقيدة الصحيحة ، والعمل الصالح ثمرة ذلك العلم ، وقد غلط أشد الغلط من خدع بصوفية الهند وشعوذة فقرائهم .